ابن ميثم البحراني
64
شرح نهج البلاغة
استعار لفظ العبد له لكونه محبّها والمتجرّد لتحصيلها متصرّفا بحسب تصريفها ودائرا في حركاته حيث دارت فإن كانت في يده أقبل عليها بالعمارة والحفظ ، وإن زالت عنه أنصب إلى تحصيلها وخدمة من كانت في يده لغرضها فهو في ذلك كالعبد لها بل أخسّ حالا كما قال عليه السّلام في موضع آخر : عبد الشهوة أذلّ من عبد الرقّ . إذا الباعث لعبد الرقّ على الخدمة والانقياد قد يكون قسريّا ، والباعث لعبد الشهوة طبيعيّ ، وشتّان ما بينهما . الرابعة : قوله : وهو يرى المأخوذين على الغرّة فالواو في قوله : وهو للحال ، وهو شروع في وصف نزول الموت بالغافلين عن الاستعداد له ولما ورائه من أحوال الآخرة وكيفيّة قبض الموت لأرواحهم من مبدء نزوله بهم . إلى آخره ، وكيفيّة أحوالهم مع أهليهم وإخوانهم معه ، وهو وصف لا مزيد على وضوحه وبلاغته وفائدته تذكير العصاة بأهوال الموت وتنبيههم من غفلتهم في الباطل بذلك على وجوب العمل له ، وتثبيت للسالكين إلى اللَّه على ما هم عليه ، ومراده بقوله : ما كانوا يجهلون . لا الموت فإنّه معلوم لكلّ أحد ، بل تفصيل سكراته وأهواله . وما كانوا يأمنون . إشارة إلى الموت وما بعده فإنّ الغافل حال انهماكه في لذّات الدنيا لا يعرض له خوف الموت بل يكون في تلك الحال آمنا منه ، وقوله : فغير موصوف ما نزل بهم : أي ليس ذلك ممّا يمكن استقصائه بوصف بل غايته التمثيل كما ورد في التوراة : أنّ مثل . الموت كمثل شجرة شوك أدرجت في بدن بن آدم فتعلَّقت كلّ شوكة بعرق وعصب ثمّ جذبها رجل شديد الجذب فقطع ما قطع وأبقى ما أبقى ، واستعار لفظ الولوج لما يتصوّر من فراق الحياة لعضو عضو فأشبه ذلك دخول جسم في جسم آخر ، وكذلك استعار لفظ العبء للآثام الَّتي تحملها النفس ، ورشّح بذكر الظهر استعارة لفظ المحسوس للمعقول . الخامسة : قوله : والمرء قد غلقت رهونه بها . ضربه مثلا لحصول المرء في تبعات ما جمع وارتباطه بها عن الوصول إلى كماله وانبعاثه إلى سعادته بعد الموت ، وقد كان يمكنه فكاكها بالتوبة والأعمال الصالحة فأشبه ما جمع من الهيئات الرديئة